موقع المحتسب
  ( أخبار )  عشاء الاثنين ٥/٢٣ آية وأحاديث في حياة القدوة والأسوة الشيخ ناصر علي المصعبي كيف_نكون_قدوة   ( أخبار )  عشاء اليوم الأحد منهج القرآن في حماية الفكر الشيخ د.عبدالرحمن الشهري @amshehri قاعة الشيخ عبدالعزيز بن بازبمقر المكتب ك13 @sharq_jeddah   ( أخبار )  مغرب اليوم الثلاثاء ٥/١٠   ( أخبار )  جامع الراجحي بالرياض حساب موثّق ‏@grajhi أيها الاحبة موعدنا غدا مع فضيلة الشيخ عبد الكريم بن عبد الله الخضير@ShKhudheir ومحاضرة أهمية طلب العلم بعد صلاة المغرب بمشيئة الله تعالى .   ( أخبار )  اللقاء القادم من سلسلة #خواطر بـ #جامع_الملك_عبدالله مع الشيخ د. عمر بن عبدالرحمن العمر بعنوان "خطر اللسان" بعد صلاة العشاء @Dr_omaralomar   ( أخبار )  معالي الرئيس العام لشؤون الحرمين يستقبل الشيخ حمدالحريقي والشيخ العويد    ( أخبار )  الدورات العلمية في مكة المكرمة و المدينة المنورة   ( أخبار )  بمشيئة الله الخميس القادم بعد صلاة المغرب محاضرتي:    ( أخبار )      ( أخبار )  نذكركم بحضور الدرس الشهري2 :  
حياة الإسلام || الثبات على دين الله .

عرض الدرس : الثبات على دين الله .

 

 

 

الصفحة الرئيسية >> المحاضرات المكتوبة

اسم الدرس: الثبات على دين الله .
كاتب الدرس: كتاب الشيخ المنجد
تاريخ الاضافة: 18/07/2013
الزوار: 2331

       الحمد لله ، اللهم ربنا لك الحمد بما خلقتنا  ورزقتنا و هديتنا و علمتنا و أنقذتنا  وفرجت عنا ، لك الحمد بالإسلام و القرآن و لك الحمد بالأهل و المال و المعافاة ، كبت  عدونا وبسطت رزقنا ، و أظهرت أمننا و جمعت فرقتنا و أحسنت معافاتنا ، ومن كل ما سألناك ربنا أعطيتنا ، فلك الحمد  على  ذلك  حمداً  كثيراً ،  لك الحمد بكل نعمة أنعمت بها علينا في قديم أو حديث أو سر أو علانية ، أو خاصة أو عامة ، أو حي أو ميت أو شاهد أو غائب ، لك الحمد حتى ترضى و لك الحمد إذا رضيت ولك الحمد بعد الرضى ، و أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له إله الأولين و الآخرين ، و أشهد أن نبينا محمداً عبده ورسوله إمام المتقين و قدوة الدعاة  أجمعين ، صلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله و صحابته و التابعين و  السائرين على دربه و المتمسكين بسنته إلى يوم الدين ، أما بعد :  

فالسلام عليكم ورحمة الله وبركاته ،

أيها الاخوة و الأخوات : نحمد الله تعالى على أن يسر لنا جميعا هذا اللقاء الطيب  المبارك .

و محاضرتي  أتناول فيها ـ إن شاء الله ـ  بيان أهمية هذا الموضوع ،ثم أسباب الثبات على الدين ، و أختم بمواطن الثبات على الفتن .

  إن الثبات على دين الله مطلب أساسي لكل مسلم صادق يريد سلوك الصراط المستقيم بعزيمة ورشد .

و أهمية الموضوع تكمن في أمور منها :

     1/ وضع المجتمعات الحالية التي يعيش فيها المسلمون : وأنواع الفتن والمغريات التي بنارها يكتوون ، وأصناف الشهوات والشبهات التي بسببها أضحى الدين غريباً ، كما قال ز  ( القابض على دينه كالقابض على الجمر ) .  

      ولا شك عند كل ذي لُب أن حاجة المسلم اليوم للثبات أعظم من حاجة أخيه أيام السلف و السنوات السابقة .

   2/  كثرة حوادث الردة والنكوص على الأعقاب : والانتكاسات بين المسلمين ؛ مما يحمل المسلم على الخوف من أمثال تلك المصائر ، ويتلمس وسائل الثبات للوصول إلى بر الأمان .

    3/ ارتباط الموضوع بالقلب : الذي يقول النبي ز في شأنه : ( لَقلب ابن آدم أشد انقلاباً من القِدْر إذا استجمعت غلياناً ) حم .  

      ويضرب ز للقلب مثلاً آخر فيقول : ( إنما سمي   القلب من تقلبه ، إنما مثل القلب مثل ريشة بالفلاة تعلقت في أصل شجرة يقلبها الريح ظهراً لبطن ) طب و صححه الألباني  .

ما سمي الإنسان إلا لنسيانه *** ولا القلب إلا أنه يتقلب

      فتثبيت هذا المتقلب برياح الشهوات والشبهات أمر خطير يحتاج لوسائل قوية و متينة .

      ومن رحمة الله - عز وجل - بنا أن بيّن لنا في كتابه وعلى لسان نبيه ز وفي سيرته وسائل كثيرة للثبات  منها :

      أولاً : الإقبال على القرآن :

      فالقرآن العظيم وسيلة التثبيت الأولى وهو حبل الله المتين ، والنور المبين ، من تمسك به عصمه الله ومن اتبعه أنجاه الله ، ومن دعا إليه هُدي إلى صراط مستقيم .

      نص الله على أن وظيفة هذا الكتاب والغاية التي من أجلها أنزله منجّماً مفصلاً هي التثبيت ، فقال -تعالى -: ] وقَالَ الَذِينَ كَفَرُوا لَوْلا نُزِّلَ عَلَيْهِ القُرْآنُ جُمْلَةً واحِدَةً كَذَلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ ورَتَّلْنَاهُ تَرْتِيلاً* ولا يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ إلاَّ جِئْنَاكَ بِالْحَقِّ وأَحْسَنَ تَفْسِيراً [  و كيف يكون القرآن مصدراً للتثبيت ؟

      * لأنه يزرع الإيمان ويزكي النفس ، بالصلة بالله .

      * لأن تلك الآيات تنزل برداً وسلاماً على قلب المؤمن الذي تعصف به رياح الفتنة ، فيطمئن قلبه بذكر الله .

      * لأنه يزود المسلم بالتصورات والقيم الصحيحة التي يستطيع من خلالها أن يقوّم الأوضاع من حوله ، وكذا الموازين التي تهيئ له الحكم على الأمور فلا يضطرب حكمه ولا تتناقض أقواله باختلاف الأحداث والأشخاص .

      * إنه يرد على الشبهات التي يثيرها أعداء الإسلام من الكفار والمنافقين كالأمثلة الحية التي عاشها الصدر الأول .

      فعلى سبيل المثال ، ما هو أثر قول الله -عز وجل-:( مَا ودَّعَكَ رَبُّكَ ومَا قَلَى )على نفس رسول الله ز لما قال المشركون : ودع              محمد؟!

      و ما هو أثر قول الله - عز وجل - :] لِّسَانُ الَذِي يُلْحِدُونَ إلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وهَذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُّبِينٌ [  لما ادعى كفار قريش أن محمداً ز  إنما يعلمه بشر وأنه يأخذ القرآن عن نجار رومي بمكة؟!  

     و ما هو أثر قول الله - عز وجل - : ( أَلا فِي الفِتْنَةِ سَقَطُوا ) في نفوس المؤمنين لما قال المنافق ] ائْذَن لِّي ولا تَفْتِنِّي [ ؟ !

      أليس تثبيتاً على تثبيت ، وربطاً على القلوب المؤمنة ، ورداً على الشبهات وإسكاتاً لأهل الباطل .. ؟ بلى وربى .

      ومن هنا نستطيع أن ندرك الفرق بين الذين ربطوا حياتهم بالقرآن وأقبلوا عليه تلاوة وحفظاً وتفسيراً وتدبراً ؛ منه ينطلقون ، وإليه يفيئون ، وبين مَن جعلوا كلام البشر جل همهم وشغلهم الشاغل .

ثانياً : التزام شرع الله والعمل الصالح :

      قال الله تعالى :( يُثَبِّتُ اللَّهُ الَذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الحَيَاةِ الدُّنْيَا وفِي الآخِرَةِ ويُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ  ويَفْعَلُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ [

      قال قتادة : أما ] في الحياة الدنيا [  فيثبتهم بالخير والعمل الصالح ] وفي   الآخرة [ في القبر .

 وقال سبحانه : ]ولَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُوا مَا يُوعَظُونَ بِهِ لَكَانَ خَيْراً لَّهُمْ وأَشَدَّ تَثْبِيتاً [  أي على الحق .

      وهذا بيّن ، وإلا فهل نتوقع ثباتاً من الكسالى القاعدين عن الأعمال الصالحة إذا أطلت الفتنة برأسها وادلهمّ الخطب ؟ ولكن الذين آمنوا وعملوا الصالحات يهديهم الله إليه صراطاً مستقيماً ويثبتهم بما ثبتوا به أنفسهم في الدنيا .

ثالثاً : تدبر قصص الأنبياء ودراستها للتأسي والعمل :

      دليل ذلك قوله تعالى( وكُلاًّ نَّقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنبَاءِ الرُّسُلِ مَا نُثَبِّتُ بِهِ فُؤَادَكَ وجَاءَكَ فِي هَذِهِ الحَقُّ ومَوْعِظَةٌ وذِكْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ )      فما نزلت تلك الآيات على عهد رسول الله ز للتسلية والتفكه ، وإنما لغرض عظيم هو تثبيت فؤاد رسول الله ز  وأفئدة المؤمنين معه. 

      فلو تأملت أيها الأخ المبارك ، قول الله : ] قَالُوا حَرِّقُوهُ وانصُرُوا آلِهَتَكُمْ إن كُنتُمْ فَاعِلِينَ * قُلْنَا يَا نَارُ كُونِي بَرْداً وسَلاماً عَلَى إبْرَاهِيمَ * وأَرَادُوا بِهِ كَيْداً فَجَعَلْنَاهُمُ الأَخْسَرِينَ [   قال ابن عباس :كان آخر قول إبراهيم حين ألقي في النار : ( حسبي الله ونعم الوكيل).  أفلا تشعر بمعنى من معاني الثبات أمام الطغيان والعذاب يدخل نفسك وأنت تتأمل هذه القصة ؟ .

     ثم لو تدبرت قول الله في قصة موسى : ] فَلَمَّا تَرَاءَى الجَمْعَانِ قَالَ أَصْحَابُ مُوسَى إنَّا لَمُدْرَكُونَ * قَالَ كَلاَّ إنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ [  ، ألا تحس بمعنى آخر من معاني الثبات عند ملاحقة الظالمين ، والثبات في لحظات الشدة وسط صرخات اليائسين وأنت تتدبر هذه القصة ؟ .

    أيضاً : لو استعرضت قصة سحرة فرعون ذلك المثل العجيب للثلة التي تثبت على الحق بعدما تبين ، ألا ترى أن معنى عظيماً من معانى الثبات يستقر في النفس أمام تهديدات الظالم وهو يقول : ] قَالَ آمَنتُمْ لَهُ قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ إنَّهُ لَكَبِيرُكُمُ الَذِي عَلَّمَكُمُ السِّحْرَ فَلأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وأَرْجُلَكُم مِّنْ خِلافٍ ولأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ ولَتَعْلَمُنَّ أَيُّنَا أَشَدُّ عَذَاباً وأَبْقَى [  ، ثبات القلة المؤمنة الذي لا يشوبه أدنى تراجع وهم يقولون : ] قَالُوا لَن نُّؤْثِرَكَ عَلَى مَا جَاءَنَا مِنَ البَيِّنَاتِ والَّذِي فَطَرَنَا فَاقْضِ مَا أَنتَ قَاضٍ إنَّمَا تَقْضِي هَذِهِ الحَيَاةَ الدُّنْيَا [  .

      وهكذا قصة المؤمن في سورة يس ومؤمن آل فرعون وأصحاب الأخدود وغيرها يكاد الثبات يكون أعظم دروسها قاطبة .

 

رابعاً : الدعاء :

      فمن صفات عباد الله المؤمنين أنهم يتوجهون إلى الله بالدعاء أن يثبتهم :( رَبَّنَا لا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إذْ هَدَيْتَنَا) ، ] رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْراً وثَبِّتْ أَقْدَامَنَا [  .

      ولما كانت ( قلوب بني آدم كلها بين إصبعين من أصابع الرحمن كقلب واحد يصرفه حيث يشاء) حم .م ، كان رسول الله ز  يكثر أن يقول :   ( يا مقلب القلوب والأبصار ثبت قلبي على دينك ) ت .  

خامساً : ذكر الله :

      وهو من أعظم أسباب التثبيت وتأمل هذا الاقتران بين الأمرين في قول الله : ] يَا أَيُّهَا الَذِينَ آمَنُوا إذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا واذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيراً [  فجعله الله من أعظم ما يعين على الثبات في الجهاد . ( وتأمل أبدان فارس والروم كيف خانتهم أحوج ما كانوا إليها) بالرغم من قلة عدد وعدة الذاكرين الله كثيراً .

      وبماذا استعان يوسف - عليه السلام - في الثبات أمام فتنة المرأة ذات المنصب والجمال لما دعته إلى نفسها ، ألم يدخل في حصن  ]   معاذ الله [ ؛ فتكسرت أمواج جنود الشهوات على أسوار حصنه ؟ 

 

 

سادساً : الحرص على أن يسلك المسلم طريقاً صحيحاً :

     والطريق الوحيد الصحيح الذي يجب على كل مسلم سلوكه هو طريق أهل السنة والجماعة طريق الطائفة المنصورة والفرقة الناجية ، ذو العقيدة الصافية والمنهج السليم واتباع السنة والدليل ، والتميز عن أعداء الله ومفاصلة أهل الباطل .  

      وإذا أردت أن تعرف قيمة هذا في الثبات فتأمل وسائل نفسك . لماذا ضل كثير من السابقين واللاحقين وتحيروا ولم تثبت أقدامهم على الصراط المستقيم ولا ماتوا عليه ، أو وصلوا إليه بعدما انقضى جل عمرهم وأضاعوا أوقاتاً ثمينة من حياتهم ؟

     فترى أحدهم يتنقل في منازل البدع والضلال من الفلسفة إلى عالم الكلام والاعتزال إلى التحريف إلى التصوف والتفويض والإرجاء. 

      وهكذا أهل البدع يتحيرون ويضطربون وانظر كيف حرم أهل الكلام الثبات عند الممات فقال السلف : أكثر الناس شكاً عند الموت أهل الكلام ، و العياذ بالله .

      لكن فكر وتدبر هل رجع أحد من أهل السنة والجماعة عن طريق سخطة بعد إذ وفقهه وسلكه ؟ فقد يتركه لأهواء وشهوات أو لشبهة عرضت لعقله الضعيف ، لكن لا يتركه لأنه قد رأى أصح منه أو تبين له بطلانه . ومصداق هذا مساءلة هرقل لأبي سفيان عن أتباع محمد ز قال هرقل لأبي سفيان : فهل يرتد أحد منهم سخطة لدينه بعد أن يدخل فيه ؟ قال أبو سفيان : لا . ثم قال هرقل : ( وكذلك الإيمان حين تخالط بشاشته القلوب ) خ .  

      سمعنا كثيراً عن كبار تنقلوا في منازل البدع أو هداهم الله فتركوا الباطل وانتقلوا إلى مذهب أهل السنة والجماعة ساخطين على مذاهبهم الأولى ، ولكن هل سمعنا العكس ؟ ! إذاً  إن أردت الثبات فعليك بسبيل المؤمنين .

 سابعاً :التربية الإيمانية العلمية الواعية المتدرجة : فهي عامل أساسي من عوامل الثبات .

      التربية الإيمانية : التي تحيي القلب والضمير بالخوف والرجاء والمحبة ،المنافية للجفاف الناتج من البعد عن نصوص القرآن والسنة ، والعكوف على أقاويل الرجال .

      التربية العلمية : القائمة على الدليل الصحيح من كتاب و سنة ، المنافية للتقليد والإمعية الذميمة.  

      التربية الواعية : التي تعرف سبيل المجرمين ، وتدرس خطط أعداء الإسلام ،وتحيط بالواقع علماً ، وبالأحداث فهماً وتقويماً ، المنافية للانغلاق والتقوقع على البيئات الصغيرة المحدودة .

      التربية المتدرجة: التي تسير بالمسلم شيئاً فشيئاً، ترتقي به في مدارج كماله بتخطيط موزون ، والمنافية للارتجال والتسرع والقفزات المحطِّمة .     

      ولكي ندرك أهمية هذا العنصر من عناصر الثبات ، فلنعد إلى سيرة رسول الله ز ونسائل أنفسنا : ما هو مصدر ثبات صحابة النبي ز  في مكة إبَّان فترة الاضطهاد ؟ كيف ثبت بلال وخباب ومصعب وآل ياسر وغيرهم من المستضعفين وحتى كبار الصحابة في حصار الشِّعب وغيره ؟ هل يمكن أن يكون ثباتهم بغير تربية عميقة من مشكاة النبوة؟ كلا و الله ، لنأخذ رجلاً صحابياً مثل : خباب ابن الأرت -رضي الله عنه- الذي كانت مولاته تُحْمي أسياخ الحديد حتى تحمَر ،ثم تطرحه عليها عاري الظهر فلا يطفئها إلا ودك (شحم) ظهره حين يسيل عليها ، ما الذي جعله يصبر على هذا كله ؟ و" بلال" تحت الصخرة في الرمضاء ، و" سميَّة" في الأغلال والسلاسل  ... وسؤال منبثق من موقف آخر في العهد المدني ، من الذين ثبتوا مع النبي ز في حنين لما انهزم أكثر المسلمين ؟ هل هم مسلمة الفتح الذين خرج أكثرهم طلباً للغنائم ، وحديثو العهد بالإسلام ؟ كلا ... إن غالب من ثبت هم أولئك الصفوة المؤمنة التي تلقت قدراً عظيماً من التربية على يد رسول الله ز .

       ثامناً - الثقة بالطريق :

      لا شك أنه كلما ازدادت الثقة بالطريق الذي  يسلكه المسلم كان  ثباته عليه أكبر ... ولهذا وسائل منها :  

    * استشعار أن الصراط المستقيم الذي تسلكه ليس جديداً  ولا وليد قرنك وزمانك ، وإنما هو طريق عتيق ، قد سار فيه من قبل من الأنبياء والصديقين والعلماء والشهداء والصالحين ، فتزول غربتك ، وتتبدل وحشتك أُنساً ، وكآبتك فرحاً وسروراً ، لأنك تشعر بأن أولئك كلهم أخوة لك في الطريق والمنهج .

      *  الشعور بالاصطفاء ، قال الله -عز وجل- : ( الحَمْدُ لِلَّهِ وسَلامٌ عَلَى عِبَادِهِ الَذِينَ اصْطَفَى ) ( ثُمَّ أَوْرَثْنَا الكِتَابَ الَذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا ) ، ]وكَذَلِكَ يَجْتَبِيكَ رَبُّكَ ويُعَلِّمُكَ مِن تَأْوِيلِ الأَحَادِيثِ [   وكما أن الله اصطفى الأنبياء ؛ فللصالحين نصيب من ذلك الاصطفاء وهو : ما ورثوه من علوم الأنبياء .

      فماذا يكون شعورك لو أن الله خلقك جماداً ، أو حيواناً ، أو كافراً ملحداً ، أو داعية إلى بدعة ، أو فاسقاً ، أو مسلماً غير داعية لإسلامه ، أو داعية في طريق متعدد الأخطاء ؟

      ألا ترى أن شعورك باصطفاء الله لك ؛ وأن جعلك داعية من دعاة أهل السنة والجماعة من عوامل ثباتك على منهجك وطريقك ؟

تاسعاً - الالتفاف حول العناصر المثبتة :

      تلك العناصر التي من صفاتها ما أخبرنا به ز : (إن   من الناس ناساً مفاتيح للخير مغاليق للشر) جه و هو ح حسن .  

      البحث عن العلماء والصالحين والدعاة المؤمنين ، والالتفاف حولهم معينٌ كبير على الثبات ، حتى قال ابن تيمية  : ثبَّت الله المسلمين برجلين : ( أبي بكر) يوم   الردة ، و " الإمام أحمد " يوم المحنة .

      وهنا تبرز الأخوة الإسلامية كمصدر أساسي للتثبيت ، فإخوانك الصالحون هم العون لك بعد الله في الطريق ، والركن الشديد الذي تأوي إليه ؛ فيثبتونك بما معهم من آيات الله والحكمة ،فالْزمْهم وِعِش في أكنافهم ، وإياك والوحدة فتخطفك الشياطين .

عاشراً ـ الثقة بنصر الله وأن المستقبل للإسلام :

      فنحتاج إلى الثبات كثيراً عند تأخر النصر ، حتى لا تزل الأقدام بعد ثبوتها ، قال تعالى : ] وكَأَيِّن مِّن نَّبِيٍّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ فَمَا وهَنُوا لِمَا أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ومَا ضَعُفُوا ومَا اسْتَكَانُوا واللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ * ومَا كَانَ قَوْلَهُمْ إلاَّ أَن قَالُوا رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وإسْرَافَنَا فِي أَمْرِنَا وثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وانصُرْنَا عَلَى القَومِ الكَافِرِينَ * فَآتَاهُمُ اللَّهُ ثَوَابَ الدُّنْيَا وحُسْنَ ثَوَابِ الآخِرَةِ [ .  

      ولما أراد رسول الله ز  أن يثبت أصحابه المعذبين أخبرهم بأن المستقبل للإسلام في أوقات التعذيب والمحن ؛ فماذا قال ؟

      جاء في حديث خباب عند البخاري :( ليتمن الله هذا الأمر ، حتى يسير الراكب من صنعاء إلى حضرموت لا يخاف إلا الله والذئب على غنمه ).    فعرْض أحاديث البشارة بأن المستقبل للإسلام على الناشئة مهمٌّ في تربيتهم على الثبات .

حادي عشر- معرفة حقيقة الباطل وعدم الاغترار به :

      في قول الله -عز وجل- :( لا يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ الَذِينَ كَفَرُوا فِي البِلادِ )  تسريةٌ عن المؤمنين وتثبيت لهم .

      وفي قوله -عز وجل- : ( فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً )  عبرةٌ لأولي الألباب في عدم الخوف من الباطل والاستسلام له مهما طال ليله .

      ومن طريقة القرآن فضحُ أهل الباطل وتعريةُ أهدافهم ووسائلهم كما قال سبحانه  ]  وكَذَلِكَ نُفَصِّلُ الآيَاتِ ولِتَسْتَبِينَ سَبِيلُ المُجْرِمِينَ [ ، حتى لا يؤخذ المسلمون على حين غرة ، وحتى يعرفوا من أين يؤتى الإسلام ، وكم سمعنا ورأينا حركات تهاوت، ودعاة زلت أقدامهم ؛ ففقدوا الثبات لما أتوا من حيث لم يحتسبوا بسبب جهلهم بأعدائهم .

الثاني عشر - استجماع الأخلاق المعينة على الثبات :

      وعلى رأسها : الصبر ، ففي حديث النبي ز في الصحيحين : ( ما أُعطي أحدٌ قط خيراً   وأوسع من الصبر) ، وأشد الصبر : عند الصدمة الأولى ، وإذا أصيب المرء بما لم  يتوقع تحصل النكسة ويزول الثبات إذا عُدم الصبر . و تأمل فيما قاله ابن الجوزي - رحمه الله- : ( رأيت كبيراً قارب الثمانين وكان يحافظ على الجماعة ، فمات ولدٌ لابنته ، فقال : ما ينبغي لأحدٍ أن يدعو ، فإنه ما يستجيب . ثم قال : إن الله تعالى يعاند فما يترك لنا ولداً)  . تعالى الله عن قوله علواً كبيراً .( ذكرها في كتاب الثبات حتى الممات )

     و لما أُصيب المسلمون في أُحد لم يكونوا ليتوقعوا تلك المصيبة لأن الله وعدهم بالنصر ، فعلمهم الله بدرس شديد بالدماء والشهداء : ] أَوَ لَمَّا أَصَابَتْكُم مُّصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُم مِّثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّى هَذَا قُلْ هُوَ مِنْ عِندِ أَنفُسِكُمْ [  .

فالذا حصل من عند أنفسهم :- فشلتم ، - وتنازعتم في الأمر ، - وعصيتم ، - منكم من يريد الدنيا .

و أخيراً  ما هي مواطن الثبات : 

هي كثيرة و تحتاج إلى تفصيلٍ ،و نذكر بعضها :  

أولاً : الثبات في الفتن :

      التقلبات التي تصيب القلوب سببها الفتن ، فإذا تعرض القلب لفتن السراء والضراء فلا يثبت إلا أصحاب البصيرة الذين عمّر الإيمان قلوبهم . ومن أنواع الفتن :

      - فتن المال : ] ومِنْهُم مَّنْ عَاهَدَ اللَّهَ لَئِنْ آتَانَا مِن فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ ولَنَكُونَنَّ مِنَ الصَّالِحِينَ * فَلَمَّا آتَاهُم مِّن فَضْلِهِ بَخِلُوا بِهِ وتَوَلَّوْا وهُم مُّعْرِضُونَ [  .

       - فتنة الجاه : ] واصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُم بِالْغَدَاةِ والْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وجْهَهُ ولا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الحَيَاةِ الدُّنْيَا ولا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَن ذِكْرِنَا واتَّبَعَ هَوَاهُ وكَانَ أَمْرُهُ فُرُطاً [  

      - فتنة الزوجة : ] إنَّ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ وَأَوْلادِكُمْ عَدُواً لَّكُمْ فَاحْذَرُوهُمْ [ .

       - فتنة الأولاد : " الولد مجبنة مبخلة محزنة " .

      - فتنة الاضطهاد والطغيان والظلم : ويمثلها أروع تمثيل قول الله -عز وجل- : ] قُتِلَ أَصْحَابُ الأُخْدُودِ * النَّارِ ذَاتِ الوَقُودِ * إذْ هُمْ عَلَيْهَا قُعُودٌ * وهُمْ عَلَى مَا يَفْعَلُونَ بِالْمُؤْمِنِينَ شُهُودٌ * ومَا نَقَمُوا مِنْهُمْ إلاَّ أَن يُؤْمِنُوا بِاللَّهِ العَزِيزِ الحَمِيدِ * الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَوَاتِ والأَرْضِ واللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ [ .  وروى البخاري عن خباب -رضي الله عنه- قال : شكونا إلى رسول الله ز وهو متوسد برده في ظل الكعبة . فقال ز : ( قد كان من قبلكم يؤخذ الرجل فيحفر له في الأرض ، فيجعل فيها فيؤتى بالمنشار ، فيوضع على رأسه فيجعل نصفين ويمشط بأمشاط الحديد ، ما دون لحمه وعظمه ، ما يبعده عن دينه ... ) .

      - فتنة الدجال : وهي أعظم فتن المحيا : " يا أيها الناس ؛ إنها لم تكن فتنة على وجه الأرض منذ ذرأ الله آدم أعظم من فتنة الدجال ... يا عباد الله ، أيها الناس ؛ فاثبتوا ، فإني سأصفه صفة لم يصفها إياه قبل نبيٌّ ...) جه و الحاكم .  

      وعن مراحل ثبات القلوب وزيغها أمام الفتن : يقول النبي ز : ( تعرض الفتن على القلوب عرض الحصير عوداً عوداً ، فأي قلب أُشربها نكتت في قلبه نكتة سوداء ، وأي قلب أنكرها نكتت فيه نكتة بيضاء ، حتى يصير القلب أبيض مثل الصفا ؛ لا تضره فتنة ما دامت السموات والأرض ، والآخر أسود مُربَّداً كالكوز مُجَخِّياً لا يعرف معروفاً ولا ينكر منكراً ، إلا ما أُشرب من  هواه ) م .

ثانياً : الثبات في الجهاد :

       ] يَا أَيُّهَا الَذِينَ آمَنُوا إذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا [  .

ثالثاً : الثبات على المنهج :

       ] مِنَ المُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُم مَّن قَضَى نَحْبَهُ ومِنْهُم مَّن يَنتَظِرُ ومَا بَدَّلُوا تَبْدِيلاً [   فمبادئهم أغلى من أرواحهم ،و هو إصرار لا يعرف التنازل .

رابعاً : الثبات عند الممات :

       ] إنَّ الَذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ المَلائِكَةُ أَلاَّ تَخَافُوا ولا تَحْزَنُوا وأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَتِي كُنتُمْ تُوعَدُونَ [ .

      اللهم اجعلنا منهم ، اللهم إنا نسألك الثبات في الأمر والعزيمة على الرشد ، اللهم يا مقلب القلوب ثبت قلوبنا على دينك يا رب العالمين . 


طباعة


روابط ذات صلة

  أدومه و إن قل  
  أشراط الساعة الكبرى  
  عذراً فلسطين  
   فن التعامل مع الناس  
  الصبر الجميل  
  الضحك من منظور شرعي  
  النقد الهدَّام  
  و اعبد ربك حتى يأتيك اليقين  
  حقوق ولاة الأمر  
  أسباب الضلال  
   أسباب تحقيق العفاف  
  ثلاثون سبباً لدخول الجنة  
  أصول العقيدة الإسلامية  
   الأخلاق الضائعة  
  التقصير في تربية الأولاد  
   الجليس و أثاره  
  السحر و السحرة  
  السلام عليكم  
  الشباب هموم ومشاكل  
  الشباب هموم ومشاكل  


 

 

     

التعليقات : 1 تعليق