( خطبة الغدرُ والإرهاب )
إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن نبينا ًمحمداً عبده ورسوله صلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً مزيداً إلى يوم الدين ... أما بعد : فاتقوا الله عباد الله (( يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون )) عباد الله : إن دين الإسلام الذي ارتضاه الله لكم وبعث به خاتم النبيين محمد صلى الله عليه وسلم إنه لدين الوفاء ودين الأمانة ودين العدل ودين الصدق ودين البر والصلة وقد قال سبحانه (( وأوفوا بالعهد إن العهد كان مسئولاً )) وقال سبحانه (( يا أيها الذين آمنوا لا تخونوا الله والرسول وتخونوا أماناتكم وأنتم تعلمون )) وقال سبحانه يا أيها الذين آمنوا كونوا قوامين لله شهداء بالقسط ولا يجرمنكم شنآن قوم على ألا تعدلوا اعدلوا هو أقرب للتقوى واتقوا الله إن الله خبير بما تعملون )) وإن دين الإسلام كما يأمر بالأخلاق الفاضلة والآداب العادلة فإنه يحارب الغدر والخيانة والجور والكذب والعقوق والقطيعة وقد قال عليه الصلاة والسلام : أربع من كن فيه كان منافقاً خالصاً ومن كان فيه خصلة منهن كان فيه خصلة من النفاق حتى يدعها ( إذا ائتمن خان وإذا حدث كذب وإذا عاهد غدر وإذا خاصم فجر) وإن الغدر والخيانة من الأخلاق الذميمة التي حرمتها الشرائع وتنفر منها الطبائع وإن من أعظم الغدر قتل النفس التي حرم الله إلا بالحق وليست النفس المحرمة هي-: نفس المؤمن فقط بل النفوس التي حرمها الله عز وجل وحرم قتلها أربع أنفس المسلم ونفس الكافر الذمي ونفس الكافر المعاهَد ونفس الكافر المستأمن . فهذه أنفسٌ كلها محرمة .
أما نفس المؤمن فظاهر حرمتها لكل إنسان وهو من المعلوم بالضرورة من دين الإسلام فمن أظهر لنا إسلامه فنفسه محرمة وإن عمل ما عمل من المعاصي التي لم يدل القرآن والسنة على أنها تبيح قتله . وأما الذمي والمعاهَد فقد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال (( من قتل معاهداً لم يرح رائحة الجنة وإن ريحها توجد من مسيرة أربعين عاماً )) رواه البخاري . وروى أيضاً عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ( لن يزال المؤمن في فسحة من دينه ما لم يصب دماً حراماً ) قال عبد الله بن عمر ـ رضي الله عنهما ـ : إن من ورطات الأمور التي لا مخرج منه أوقع نفسه فيها سفك الدم الحرام بغير حله . ا.هـ و إن دم المعاهد حرام وسفكه من كبائر الذنوب لأن النبي صلى الله عليه وسلم أخبر أن من قتله لم يرح رائحة الجنة . وكل ذنب توعد الله عليه في كتابه أو رسوله صلى الله عليه وسلم في سنته فإنه من كبائر الذنوب .
وأما المستأمن فقد قال الله عز وجل في كتابه ( وإن أحد من المشركين استجارك فأجره حتى يسمع كلام الله ثم أبلغه مأمنه ) أي اجعله في حماية منك حتى يبلغ المكان الآمن في بلده .
وفي الصحيحين أن النبي صلى الله عليه وسلم قال ( ذمة المسلمين واحدة يسعى بها أدناهم فمن أخفر مسلماً فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين لا يقبل منه صرف ٌ ولا عدل .
ومعنى الحديث أن الإنسان المسلم إذا أمُن إنساناً وجعله في عهده فإن ذمته ذمة للمسلمين جميعاً من أنكرها وغدر بها الذي أعطي الأمان من مسلم فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين , وإننا لنلعن من لعنة الله ورسوله وملائكة وأنه لاُ يقبل منه صرف ولا عدل .
عباد الله : وعلى هذا فمن كان عندنا من الكفار بأمان فهو محترم ومحرم الدم وبذلك نعرف خطأ وجريمة تلك العمليات الاجرامية من الفئة الضالة والتي وقعت في مناطق عديدة من المملكة وحصل بسببها قتل الأبرياء من المسلمين وقتل المعاهدين وجرح الآخرين وتدمير المصالح ونشر الخوف وإثارة الفتن .وتلك الأعمال لا يقرها شرع ولا عقل ولا فطرة .
أما الشرع فقد استمتعم الى النصوص القرآنية والأحاديث النبوية رسالة على وجوب احترام المسلمين في دمائهم وأموالهم وكذلك الكفار الذين لهم ذمة أو عهد أو أمان وإن احترام هؤلاء المعاهدين والمستأجرين احترامهم من محاسن الدين الإسلامي ولا يلزم من احترامهم بمقتض عهودهم لا يلزم ذلك محبة ولا ولاء ولا مناصرة ولكنه الوفاء بالعهد إن العهد كان مسئولا.
أيها المسلمون : أيها العقلاء : وأما العقل فلأن الإنسان العاقل لن يتصرف أبداً في شيء محرم لأنه يعلم سوء النتيجة والعاقبة وإن الإنسان العاقل لن يتصرف في شيء مباح حتى يتبين له نتيجته وماذا يترتب عليه .
وقد قال عليه الصلاة والسلام : المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده . فهل هؤلاء وأمثالهم سلم منهم المسلمون بل وحتى غير المسلمين والله المستعان .
وإن أدنى عاقل وهو يرى هذه التفجيرات وتلك المباني المدمرات و أؤلئك الأموات والجرحى يرفض ذلك تمام الرفض ولا يقر بتلك الأعمال أدنى من له عقل وبصيرة .
وأما مخالفة هذه الأفعال الشنيعة للفطرة فإن كل ذي فطرة سليمة يكره العدوان على الغير ويراه من المنكر فما ذنب المصابين بتلك الحوادث والتفجيرات من المسلمين ؟ بل وما ذنب الآمنين على فرشهم في بيوتهم أن يصابوا بتلك الحوادث الأليمة , فتلك الطفلة البريئة وجدان طالتها أيدي الغدر والعدوان ورامي أصابه رصاصة الإجرامي وما ذنب المصابين من المعاهدين وما ذنب الأطفال والشيوخ ورجال الآمن إنها حوادث لا مبرر لها.
اللهم إنا نسألك في مقامنا هذا ونحن بانتظار فريضة من فرائضك أن تقضي على الفساد والمفسدين اللهم اقضي على الفساد والمفسدين اللهم رد كيدهم في نحورهم وتدبيرهم تدبراً لهم يا رب العالمين .
اللهم نسألك أن تقي بلادنا شر الفتن ما ظهر منها وما بطن اللهم أدم على بلادنا أمنها واستقرارها وزدها أمناً وصلاحاً وإصلاحا إنك على كل شيء قدير
أقول ما تسمعون واستغفر الله ...
ـ الخطبة الثانية ـ
الحمد لله رب العالمين ولا عدوان إلا على الظالمين وأشهد أن لا إله إلا الله ولي المؤمنين وأشهد أن نبيناً محمداً عبده ورسوله إمام المتقين وقائد الغر المحجلين صلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحبه أجمعين ثم أما بعد : فأذكر لكم بعض مفاسد تلك الأعمال فأولاً : أنها معصية لله ورسوله ـ صلى الله عليه ولم ـ وانتهاك الحرمات الله وتعرض للعنة الله والملائكة والناس أجمعين وأن الله لا يقبل من فاعله صرف ولا عدل .
ثانياً : ومن مفاسده تشويه سمعة الإسلام وإن أعداء الإسلام سوف يستغلون مثل هذه الأحداث بتشويه سمعة الإسلام والمسلمين .
ثالثاً: ومن المفاسد أن البعض في الداخل والخارج سوف يشيرون إلى أن هذه الإعمال من صنع الملتزمين بالإسلام مع أننا نعلم علم اليقين أن الملتزمين بشريعة الله حقيقة لن يقبلوا مثل هذا ولن يرضوا به أبداً بل يتبرءون منه وينكرونه أعظم إنكار .
رابعاً : ومن المفاسد أن هذه الأفعال القبيحة توجب الفوضى في هذه البلاد والتي ينبغي أن تكون أقوى بلاد العالم في الأمن والاستقرار لأنها تحتضن بيت الله الذي جعله الله مثابة للناس وأمناً كما قال سبحانه (( وإذا جعلنا البيت مثابة للناس وأمناً ))
خامساً : ومن المفاسد من حصل بسبب تلك الحوادث من قتل للأنفس وإتلاف للأموال وغيرها
دماء بلا ذنب على الأرض تنثرُ وبطش وإرهاب وظلم ومنكر
ضلال وإرجاف وطيش وفتنة وزيغ وفهم كالح الوجه أغبر
وخوف وترويع لمن كان آمناً وهتك وإجرام وفكر معكر
رأينا من الأحداث ما يبعث الأسى فمن هولها أكبادنا تتفطر
أفي موطن التوحيد في مشرق الهدى غراس الفكر زائغ النهج تثمر
بأي لسان أو بيان لملة تراق دماء الأبرياء وتهدر
وهل من ثمار يانعات لمن مضوا على العنف فاغتالوا وصالوا وفجروا
وهل تلك الأعمال طريق الإصلاح , والإصلاح لا يأتي بمثل هذا وإن السيئة لا تأتي بحسنة ولن تكون الوسائل السيئة طرقاً لإصلاح أبداً . ألا فليتق الله كل واحد منا أيها الاخوة وليحمد ربه على ما أنعم به عليه من نعم كثيرة خصوصاً في هذه البلاد , وليتقي الله أؤلئك الباغين الظالمين وليقولوا قولاً سديداً وليفعلوا فعلاً حميداً ، اللهم ردهم إلى الحق رداً جميلاً . .. وصلوا وسلموا ...